الحكيم الترمذي
156
غور الأمور
وترادفت عليه بابلات بره ومترادفات عطفه ، وصلت محبته في ملك الوحدانية منفردا به ، فلم يشغل شغلا بل تلاشت جميع أحوال النفس دينا وآخرة ، وطارت الفكرة عنه فيهم ، وإنما يعرف هذا من ماله ويحفى على من حرم ذاك ، وسقط عن هذه الدرجة . فإنما نال هذه الدرجة منا من اللّه عليه ، وامتلأ قلبه منه وصدره ، وأشعل النور في جميع جوارحه ، فهو ولهان ، عطشان ، وحيران ، وغضبان ، وسكران ، يعنى غضبان على نفسه ، وسكران . قد أسكن المعنى الذي حل بقلبه عن كل شئ سواه ، فأحياه به فمن قلبه باللّه ثم رجع إلى أمره ونهيه لم ينقل عليه الانتهاء عن نهيه ، والانتهاء بأمره ، ولم يستبن في قلبه السرور بالثواب . وليس من المحال أن من هناك سرور الثواب ، وقد امتلأ سرورا بإلهه ، وملكه . وكيف يستعظم هذا مؤمن والجنة خلفه ، وكيف يستبين سرور القلب بخلقه وسروره بربه ، أليس هذا من المحال . إن طلب منه ، كأن من المحال إن طلبت رؤية نجم من النجوم في قرن شعاع الشمس ، فالنجم نوره بمكانه ، ولكنه قد تلاشى عن بصر هذا الناظر في جنب نور الشمس . فإذا بعد منه حتى تقترب من الغروب ، استبان ضوء النجم ، فهذه القلوب تفاوتها بعيد نعيم أهل الجنة . نعيم أهل الجنة : ومما يحقق ما قلنا ، ما روى لنا : أن أهل الجنة إذا زاورتهم ، ثم رجعوا لم يلتفتوا إلى النعيم ثمان مائة سنة قد إمتلأت أبدانهم ريا من النعيم ، أفتحسب العاقل ازداد من نعيم الأكل والشرب . وروى لنا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قيل له : يا رسول اللّه أي نعيم الجنة أفضل ؟